فخر الدين الرازي
357
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عليه السلام أنه كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفا وبقي سبطان ونصف ، وكان اللّه تعالى أوحى إلى بني إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم ، فلما نسوا ذلك وأسروا أوحى اللّه تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك هؤلاء الأقوام وقل له حتى يبعث إلى بني إسرائيل نبيا ، فاختار يونس عليه السلام لقوته وأمانته ، قال يونس : اللّه أمرك بهذا قال لا ولكن أمرت أن أبعث قويا أمينا وأنت كذلك ، فقال يونس : وفي بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لا تبعثه ، فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها ، فلما دخلت لجة البحر أشرفت على الغرق ، فقال الملاحون : إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه من غير ربح ولا سبب ظاهر ، وقال التجار : قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع ، فمن خرج سهمه نغرقه ، فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل فخرج سهم يونس ، فقال التجار نحن أولى بالمعصية من نبي اللّه ، ثم عادوا ثانيا وثالثا يقترعون فيخرج سهم / يونس ، فقال يا هؤلاء أنا العاصي وتلفف في كساء ورمى بنفسه فابتلعته السمكة فأوحى اللّه تعالى إلى الحوت : « لا تكسر منه عظما ولا تقطع له وصلا » ثم إن السمكة أخرجته إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى بحر البطائح ثم دجلة فصعدت به ورمته بأرض نصيبين بالعراء ، وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم ، فأنبت اللّه عليه شجرة من يقطين ، فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى تشدد ، ثم إن الأرض أكلتها فخرت من أصلها فحزن يونس لذلك حزنا شديدا ، فقال : يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت ، فقيل له يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة واقتلعت في ساعة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون تركتهم ! انطلق إليهم ، واللّه أعلم بحقيقة الواقعة . ثم قال تعالى : فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ يقال التقمه والتهمه والكل بمعنى واحد ، وقوله تعالى : وَهُوَ مُلِيمٌ يقال ألام إذا أتى بما يلام عليه ، فالمليم المستحق للوم الآتي بما يلام عليه . ثم قال تعالى : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وفي تفسير كونه من المسبحين قولان الأول : أن المراد منه ما حكى اللّه تعالى عنه في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 87 ] الثاني : أنه لولا أنه كان قبل أن التقمه الحوت من المسبحين يعني المصلين وكان في أكثر الأوقات مواظبا على ذكر اللّه وطاعته للبث في بطن ذلك الحوت ، وكان بطنه قبرا له إلى يوم البعث ، قال بعضهم : اذكروا اللّه في الرخاء يذكركم في الشدة ، فإن يونس عليه السلام كان عبدا صالحا ذاكرا للّه تعالى ، فلما وقع في بطن الحوت قال اللَّه تعالى فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا ، فلما أدركه الغرق قال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ [ يونس : 90 ] قال اللّه تعالى : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [ يونس : 91 ] واختلفوا في أنه كم لبث في بطن الحوت ، ولفظ القرآن لا يدل عليه . قال الحسن لم يلبث إلا قليلا وأخرج من بطنه بعد الوقت الذي التقمه ، وعن مقاتل بن حيان ثلاثة أيام وعن عطاء سبعة أيام وعن الضحاك عشرين يوما وقيل شهرا ولا أدري بأي دليل عينوا هذه المقادير ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة ، فقال ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر ، فقالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ؟ قال نعم ،